٢٠١١/٠٣/٠٧

لحظة المفاصلة مع الحكم العسكري في موريتانيا


لم تعش الدول العربية جدبا سياسيا وثقافيا مثلما عاشته مع سيطرة العسكريين على الحكم.
 ولم تكن موريتانيا بعيدة عن هذا المسار الذي عمَّ أغلب دول العالم الثالث. فبعد فراغ طويل لم تعرف فيه بلادنا مؤسسة الدولة منذ عهد المرابطين، ولدت الدولة الموريتانية. وحكم الرئيس المدني المختار ولد داداه حوالي عقدين من الزمان.  
ولم يكن المختار رجلا ديمقراطيا، ولا كانت الديمقراطية قد أخذت مجراها في ثقافة الشعوب في أيامه، لكنه كان رجلا متعلما، لين العريكة، نظيف اليد، حريصا على وضع الأسس للدولة الموريتانية.  ثم بدأ الحكم العسكري عام 1978، فأدخل بلادنا مرحلة قاتمة من تاريخها السياسي لم تخرج منها حتى اليوم.
وكانت ثمرات الحكم العسكري مريرة للغاية. ومنها:
o هدم مؤسسات الدولة وتحويلها ريعا شخصيا وقبَليا يتحكم فيه الأقل كفاءة، والأفقر ضميرا، والأكثر أنانية.  
o تمزيق اللحمة الوطنية، مما وضع البلاد على شفا حرب أهلية أكثر من مرة، كما شاهدناه في أحداث عام 1989 الدموية. 
o إهمال المشكلات الهيكلية التي تنخر المجتمع، مثل مشكلة الاسترقاق وآثار الاسترقاق، والتعدي على الحقوقيين المدافعين عن حقوق الأرقاء السابقين.
o تدني مستوى التعليم بما يهدم مستقبل الأجيال الجديدة من الشعب، وفوضويته التي جعلت العلاقة بين التعليم والتنمية الاجتماعية منبتة.
o الانتهاك الواضح الفاضح لحقوق الإنسان من تعذيب وتشريد ونفي وتشهير، حتى لم تعد للأحرار من مواطنينا ومثقفينا كرامة.
o إفقار للموظفين والمتعلمين الذين كانوا يوما من الأيام نواة طبقة متوسطة مزدهرة، فتحولوا إلى معدمين وأسرى وظائف لا تغني من جوع.
والمثير للأسى حقا أننا أضعنا فرصة ذهبية عام 2005 للخروج من هذا النفق المظلم لم تتح للدول العربية الأخرى في الأعوام الأخيرة. وكان من الممكن أن تكون موريتانيا في طليعة الدول العربية ذات الأنظمة الديمقراطية اليوم، لو لم ينقلب محمد ولد عبد العزيز على الرئيس المدني المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله يوم 6 أغسطس 2008. ولو أننا حافظنا على ذلك البرق الديمقراطي الذي لاح فجأة واختفى فجأة لجنبنا ذلك آلام المخاض الدموي الذي تعيشه دول عربية عديدة اليوم، ولجعل بلادنا اليوم مثالا يُحتذي، لا بلدا في مؤخرة القافلة. لكن شهوة السلطة لدى بعض القادة العسكريين منعت ذلك التحول السلمي من أن يأخذ مداه، وأرجعتنا إلى مرحلة الجمود في تطورنا السياسي. وكلنا نتحمل المسؤولية في وأد تلك الديمقراطية الوليدة، حرصا على غايات قصيرة النظر، أو تصفية لحسابات أنانية، أو عجزا عن قراءة فجر الحرية المطل على المنطقة.
ويعتقد الحاكم العسكري الموريتاني اليوم أنه سيكون بمنأى عن سيل الثورة العربية الجارف، بإجراءات شكلية، وإصلاحيات جزئية، مشكوك في دوافعها، ومطعون في إنصافها. وذلك وهمٌ كبير سبقه إليه مستبدون كثر من قبل، في دول أرسخ من دولتنا نظاما، وأقوى بنيانا. والحقيقة أن الصراع بين الحاكم والمحكوم في الدول العربية اليوم – ومنها موريتانيا- لو يعد صراعا حول أداء السلطة، وإنما هو صراع حول بناء السلطة، بعد أن أدركت شعوبنا ما كان ينبغي أن تدركه منذ أمد بعيد، وهو أن البناء الاستبدادي لن يقود إلى نهضة في الداخل ولا إلى عزة في الخارج.
لقد رأينا في الأسابيع الأخيرة كل أنواع الترقيع التي يتقدم بها الحكام في أرجاء الوطن العربي، وقد ارتعدت فرائصهم، بعد سقوط رؤوس من أعتى عُتاتهم. وتفتقت قرائح المستبدين المرتعبين من شعوبهم عن مبادرات لا حصر لها، تهدف إلى إقناع الشعوب بالفتات، وشراء الولاء منها برشوة من مالها. وعجبا لمن يقدم للناس رشوة من مالهم!! فهذا ملك يرشو شعبه بمليارات الدولارات ليشتري منه الصمت والخنوع، وذاك رئيس يعلن عن زيادة الخدمة الاجتماعية ودعم الأسر المعدمة، وهذا آخر يعد بالإصلاح الدستوري وإطلاق الحريات (باستثناء حرية التخلص من سلطانه طبعا)… بيد أن أيترقيع في الأداء السياسي أو الإجراء القانوني لن يقنع الشعوب اليوم، بعد أن قررت رفع الحجر المفروض عليها تماما، وهدم البناء الاستبدادي من القواعد، تمهيدا للإمساك بحرية قرارها واختيارها.
لقد أصبح من مسلمات العلوم الاجتماعية اليوم أن الشرعية السياسية هي الطريق إلى الأداء الصالح، والبناء المتراكم، والاستقلال عن القوى الدولية الطامعة. والمراد بالشرعية السياسية هنا هو (التأمّر في الأمير) الذي ورد في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صحيح البخاري: (قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، والناس صالحون… فلما كان بعدُ قال لي ذو عمرو [أحد أعيان اليمن]: يا جرير إن بك عليَّ كرامة، وإني مُخبرك خبرا، إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمَّرتم في آخر، وإذا كانت بالسيف كنتم ملوكا تغضبون غضب الملوك، وترضون رضا الملوك).
وما تريده الشعوب اليوم هو أن تتأمَّر في أمرائها، بالتحكم في توليتهم ومحاسبتهم وعزلهم، واعتبارهم خدما لديها، لا آلهة عليها، وأن تطرد منطق السيف وقانون الغاب من مسألة تداول السلطة إلى الأبد. ولن يكون شعبنا استثناء من هذا المنبع التاريخي الجارف الذي تفجر في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج. فقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا، ولا مستقبل لنا سوى الالتحاق بحركة التحرر من العبودية السياسية.
فعلى الحكماء من أبناء شعبنا من سياسيين ومثقفين وإعلاميين ودعاة ووعاة وقادة مجتمع وشباب أن يتقدموا الواجهة، ويقودوا المسيرة إلى مفاصلة نهائية مع الحكم العسكري المتلبس بأثواب زور من الديمقراطية، ووضْع الأسس الصلبة لبناء ديمقراطي حق، يعيد الأمور إلى نصابها، ويمهِّد لإخراج شعبنا من حالة القهر والفقر والاستبداد والفساد التي صبر عليها كثيرا. فهذه مسؤولية الجميع اليوم، حتى الذين دعموا الحاكم العسكري الحالي، أو تغاضوا عنه من قبل.. فالرجوع إلى الحق أوْلى من التمادي في الباطل.
ومن المخارج الممكنة في الحالة الموريتانية تخصيصا:
أولا: فتح حوار مع الحاكم العسكري الحالي، محمد ولد عبد العزيز،  لإقناعه بالخروج السلمي من السلطة، من خلال الإعلان عن انتخابات رئاسية مبكرة، مع التزامه بعدم الترشح أو الترشيح لها.
ثانيا: اعتبار حكم الحاكم العسكري الحالي فترة فراغ دستوري وانقلاب على السلطة المنتخبة، والعمل على استكمال الرئيس المدني السابق لمدة ولايته، وقيادة الفترة الانتقالية، ثم إجراء انتخابات رئاسية بعد ذلك.
ثالثا: الدعوة إلى حكومة إنقاذ وطني مجمع عليها، تقودها أيد نظيفة لم تتلطخ بسوءات الفساد والاستبداد من قبل، ولا تحمل مطامح سياسية في المستقبل، لتقود البلاد إلى الديمقراطية خلال مرحلة انتقالية وجيزة.
وتوجد مخارج سياسية ودستورية أخرى كثيرة، يحتاج أهل الرأي والحكمة من أبناء شعبنا إلى التفكير فيها، والاتفاق عليها.
وفي كل الأحوال فإن التغيير سيتطلب إصلاحات دستورية وقانونية وإدارية عديدة، يمكن الحديث عنها في حينها، لكن الأمر العاجل الذي لا ينبغي أن يختلف عليه اثنان اليوم، هو التخلص من حكم عزيز العسكري، وبناء حكم مدني ديمقراطي يسع الجميع. فإن لم يتحمس قادة الأحزاب والنقابات لهذه المهمة التاريخية، فعلى الشباب والطلاب الموريتانيين أن يتحملوها، فهم قوة الأمل وحماة المستقبل.
إنها لحظة المفاصلة مع الحكم العسكري في موريتانيا، من خلال ثورة شعبية سلمية هادرة، تُرجع حق الشعب إليه، وتعيد الجيش إلى ثكناته، وتحيله إلى وضعه الطبيعي: جيشا وطنيا محترفا تحكمه قيم الشجاعة والتضحية والفداء، بعيدا عن الانحياز السياسي والفساد الاقتصادي، وتطهره من القادة الذين تحولوا خلال ثلاثة عقود إلى رجال أعمال متخمين بالمال الحرام،  يمتطون ظهور الجنود المساكين والشعب البائس بغير حق.
محمد بن المختار الشنقيطي

رسائل الميلاد


قد لا يدرك كثيرون الأهداف البعيدة لتظاهرة الـ25 فبراير والسائرة في فلك التغيير لغاية تحقيق تطلعات شعبنا العظيم بكل فئاته وأطيافه وأعراقه، الشعب الذي نذر نفسه في سبيل التصالح مع غد مشرق.
التظاهرة بدت غريبة وستظل غربية إلى أن يصطف مصلوا ظهيرة الجمعة إلى صلاة الفجر، عندها لن يسخر المارة ثانية ممن يحتشدون بساحة "شنقيط" لصلاة المغرب!..
كما سيدرك كثيرون قيمة الأيام الست التي أنشأ فيها ربنا الكون، بل قد يسخرون ممن سخروا من نوح وهو يرص الألواح لصناعة سفينة النجاة وليجدب في الماء، هكذا كمن يئس، وهو من لا يجوز في حقه هكذا يأس!.
ذلك أن الثورة عمل بطيء والثوار ذو نفس طويل كمن يخطط تحت الماء، كذلك من المهم الإشارة إلى أن الحراك النضالي السائد حاليا في جسم المجتمع الشاب المنتفض وصولا إلى مختلف سواعده: نساء، أطفالا، شيوخا، ورجال..
هي بالدرجة الأولى موجهة إلى الرفاق الشباب الذين هم زمام المبادرة، ثم إلى زادها من بقايا شعبنا العظيم بكل تفاصيله الثورية.
معنى ذلك أنه ليست هناك ـ بعد ـ أي رسالة مباشرة للنظام القائم لأن الوقت لما يزل باكرا للحديث مع هذا الفصيل ولأن الرفاق لم يتفقوا بعد على توقيت لهذه الخطوة.
فالأولوية لجماهيرنا العريضة التي لم تتبلغ بعد من الرسالة السامية التي بعث شباب الفيس بوك لنشرها بين حشود: المحرومين، المظلومين، المعدمين، المقصيين، غير المكرمين في مملكتهم.
كما من الهم الإشارة إلى القيمة الثورية لما وصفه البعض بمشاهد الفوضى التي سادت الحراك أولى جمعات الغضب، لأنك حين تستدعي ثوارا إلى ميدان ما، لا يكون من اللائق أن تتعامل معهم كسلطة تنظيم لذلك نتفق مع البعض أن المنابر فاقت الأربع، وتشعبت من ثم الأهداف والشعارات.. الدعوات..
فحين يمارس الكبت لفترات من الزمن على أفراد الشعب، يحتم على صناع الثورة تنفيس كل ذلك وهذا ما حصل بالفعل ونعمل على إنضاجه وتطويره في قادمات الأيام.
ولا يغيب عن الإخوة الرفاق فتك القوى الخفية التي تمثلها عناصر المخابرات وعملاء التخريب الذين يندسون من حين لأخر في شكل مثيري مشاحنات ومشاجرات وما قصة الشاب الذي هم بحرق نفسه يوم الجمعة الماضي إلا سطر في القائمة السوداء التي بدأت أجهزت الفروع الأمنية العمل عليها مرورا باللقاء المشبوه الذي جمع مدير الأمن ومدراء شركات الاتصال الثلاث وتموقع عدد من كاميرات المراقبة المثبتة على ارتفاعات كل من عمارة الخيمة والبنك الموريتاني للتجارة الدولية وغيرها من المواقع الحيوية المطلة على ميدان نبض المواطن الحر.
إننا نسترعي انتباه الرفاق في المنسقية، إلى قضية جوهرية وجد خطرة ألا وهي غياب "رفاقنا الزنوج" ضمن تظاهرة الجمعة، لأن ذلك لا يصب حتما في التقدم نحو صناعة الغد المشرق الذي ينتظرنا معا: أكور، بيظان، أحراطين.. ولأن العين لا يمكنها أن تبصر بغياب سوادها يتحتم اكتمال الصورة لتتضح الرؤية ويلتحم الجميع ويشبكوا في أيدي البعض.
تفاديا لاتساع هامش الوقت ولترميم سويتنا الوطنية التي كثيرا ما أبتاعها الساسة وعملاء الظرف وقدامى المصطادون في مياه الفرقة العكرة.
هذه أفكار من وحي ميلاد الثورة الاجتماعية التي أخذت تدب في نفوس الأحرار ممن لبوا نداء الوطن، ولا بد لها حتما أن تجد النور على أكتاف الرفاق ممن شرعوا فعالا في صياغة محتوى "رسالة الميلاد"، ميلاد الثورة!.
فهل يصبح ذلك هو الثابت في حكم المتغيرات السياسية البائدة؟ ـ مع الإشارة أنه للرسائل بقيةّّ!.

موبقاتها العشرة.. حكومة الفشلة


هذه تكملة الصرخة الصامتة التي تشقّ دروب الصّمت المظلمة و تقطع قِفار التملّق والزيف المُقحلة.. هي صرخة عتبٍ من محبّ لحبيبه.. هي عَبَراتٌ شائكة في صدور كلّ من وهب عن اقتناع وإيمان صوته للرئيس محمد ولد عبدالعزيز.. كلّ من تحرّكت أحاسيسه وهو يشاهد من وراء الصّور ومقاطع الفيديو ذلك الرّجل يجوب شرق أرضِ شنقيط وغربها.. من صارع طرقها شمالا وجنوبا المعبّد منها والترابيّ.. بكل همةٍ وحماس قادما على تلك الوجوه المتلوِّنة بسمرة الصحراء القاسية.. هم وأنت سيدي الرئيس وقفتم حبا للوطن وحبّا لمن يحبّ الوطن غير آبهين بلفح شمسٍ حارقة.. أنكرتَ وأنكروا وأدَ موريتانيا لعقود.. اختطافها في غيابات النسيان والتناسي لسنين طويلة.. وموحشة.
سيدي الرئيس كل الدلائل تذكّرنا وإياك بالأمس القريب.. فرحتين أحسسنا بهما.. فرحة تصويتنا بنعم لمحمد ولد عبد العزيز.. وفرحة استجابة القدر لرغبتنا في ائتمانك على أرواحنا وإعراضنا وممتلكاتنا.. والأهم سيدي الرئيس.. على وطننا.. أغلى ما نملك..
سيدي الرئيس.. فرض الواقع والمشهد تساؤلات عدّة.. تخالج صدور الرّعية.. ولا تثق إلا في وليّ الأمر متجاوباً معها ومجيباً عليها..
هل هم من خاطبت حين خرجت تصدح أنّك لها ومن أجلها جئت.. أم نحنُ؟ هل لّهم تعهدت بموريتانيا الجديدة.. أم لنا؟ هل أصواتنا ذهبت في غرف الاقتراع لك.. أم لهم؟ هل أنت سيدي الرئيس بذلك القِصَر الذي ركبوا هم عليه بوارج التدمير والهتك والنهب؟ هل أنت سيدي تعي ما نحن وأنت مقدمون عليه إن هم استمرّوا يزحفون على ما بيننا وإياك من عهد؟ أنا هنا أتحدث أسوة عن نفسي وأنقل أصوات الكثيرين ولا أفتري على ’الجميع’ ممّن هم في اشد الانزعاج من ركوب الأقزام المستنفعة على ظهرِ 6 . 6 . 2009.. سيّدي الرئيس لن ننتظر إجابتك عن تلك الأسئلة.. نحن ننقلها عن لسان حالك وشخصك.. لا للأولى.. ولا للثانية.. ولا للثالثة.. وألفُ ألفِ لا للرابعة..
علت الأصوات أنّك ارتجاليّ.. وأنك مزاجيّ.. وأنك مستبدُّ أحاديّ.. بلغنا وبلغك ذلك.. فمن المسئول عن ذلك؟ أما آن لك أن تُسائِله قبل أن تُسائل؟
القضية واضحة.. الأنوف مزكومةُ والبطون جوعا والأمن.. الأمن بحاجةٍ إلى من يحرسه من تسلّق ذوي القربى..
اسرد لك التالي كغيض من فيض.. فلا سبيل للحصر.. فأنا أحتاج مداد البحر وجيشٍ ممن يتقنون سرّ الحرف وكمياتٍ معتبرة من الأقنعة تحسبا لما سيخرج علينا من روائح نتنةٍ منفّرة.. لكن في القليل بركة وأول الغيث قطرة.. وهذه موبقاتها العشرة .. حكومة الفشلة...
أولاً: ضعف استيعابها ومن ثمّ تعاطيها مع نوائب الدّهر ومتغيّرات الزمان الاقتصادية منها خصوصا.
ثانياً: الضبابية الشديدة في تعاطيها مع ملفات الفساد.. وكما لو أن المتفشية هي ’بعبعٌ’ يقضّ مضاجع من ليس معها من الرجال في ما هي بصدده من قرصنةٍ للبلد.. فقط.
ثالثاً: العجز والتخبّط في التعاطي مع ملفّات مزمنة الحساسية والحرج.. منها عدّا لا حصراً ملف العلاقات مع الجوار.. الملف الأمني.. وقضايا الرّق.. ذلك الملف الذي نسجّل حوله عدة علامات استفهام حيث أن إهماله يوحي بأنه لم يرد له بعد الوصول إلى تسوية نهائية هي جدّ ممكنة.
رابعاً: تسجيلنا لارتفاعات مطّردة ومهولة في أسعار ما يمسّ من حياة المواطن اليومية من موادّ غذائية أساسية.. ومحروقات.. حيث قرئنا في ذلك العجز والتراخي في ضبط الأمور وجعل أساسيّات الحياة اليومية خطاً أحمراً.
خامساً: لعبة الشطرنج ودجل قارئة الفنجان التي اتسمت بها تغييرات المواقع والإعفاءات في الحقائب الوزارية والتي تمّت باقتراحات مُرتجلة من رأس الحكومة.. لم نقرأ فيها حِكمةً بل استحضرنا أن العطار لا يصلح ما أفسده الدّهر قُبحاً.. وكأنّ الحكومة التي نالت الثقة لتقود البلد إلى مصافي التقدم والازدهار أمست مختبراُ للتّجارب العبثيّة.. فئران تجاربه من سمّتهم ’الأهواء’ لا الجدارة وزراءً.
سادساً: عندما استبشرنا خيرا بحركة التغيير وما تبعها من الصعود بشفافية واستحقاق للرئيس المنتخب.. وأنّ الموريتاني آن له أن يرفع رأسه اعتزازاً بانتمائه لهذا الوطن.. هاهي حكومتنا الرشيدة تُمرّغ هاماتنا في التّراب.. بحرفيّتها العالية واقتدار وخبرة رجالاتها في استجداء المحسنين وجيوب المجانين.. بل أصبحت وبكل وقاحة تسجّل في النّقاط الصحفية تبرّع فلانٍ و تكرّم آخر.. وكأننا ’صومال’ أخرى..لا نفط لدينا.. ولا حديد.. ولا ذهب.. ولا سمك.. ولا ولا ولا.. والأدهى من ذلك أن تلك الصّدقات النجسة ينتهي بها المطاف في... الله أعلم.. أنا عن نفسي لا أدري أين.. فهل تدرون أين؟.
سابعاً: التقسيم العادل للمناصب والتعيينات.. السياسية.. والمالية.. والتقنية.. لا بل والأمنية على الأقرب فالأقرب عملا وأسوة بنبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم حين أوصى أن الأقربون أولى بالمعروف، حتى أصبح معيار الكفاءة والأداء هما خير أريد به شرّ.. ومن ضروب العبث مجرد ذكر ذلك.
ثامنا: تحويل مبنى الوزارة الأولى إلى ثكنة عسكرية قذّافية.. حيث يعدّ ضربا من ضروب التعرّض بالنفس للتهلكة مجرد محاولة الإقتراب واستراق نظرات التساؤل بعفوية عما يدور بالداخل.. ناهيك.. عن محاولة تجاوز بوّابتها والبحث عن الحقوق بين أروقتها.. لكن.. لا يوجد مستحيل.. فهناك سماسرة مقربون.. كفيلون بإدخالك إن أنت أحسنت التصرّف وعرفَت يدك طريقها إلى جيبك.. عجباً.. كل ذلك لننال حقا من أبسط حقوقنا التي أوصىاهم وأكّد عليهم.. ووبّخهم رئيسنا ورئيسهم على تقريبها منك ومني ومنكم.
تاسعا: لم نتعجب كثيرا عندما شاهدنا لأوّل مرة في تاريخ موريتانيا الحديث والقديم ’تجمهراً’ للتجار المزودين للدولة أمام منزل صاحب المعالي رئيس الحكومة مطالبين بحقوقهم.. كان الله في عون الرجل ووزرائه فهم مشغولون لدرجة ’النزق’ في حصر قائمة بأصحاب الأيادي البيضاء من المحسنين شرقا وغربا..شمالا وجنوبا وأعاذنا الله من ’شمالاً’ وويلاته العابرة للصحاري. ونسجّل هنا تحفّظنا الشديد لإهمال الحكومة وتجاهلها غير المبرر لتصل الأمور وتؤول إلى هذه الصورة المخجلة.. فكيف لبلد ينادي عاليا في كل وقت وبجميع اللغات بترحيبه الحار برأس المال الأجنبي أن يعطي صورة هي للأسف في منتهى القتامة عن طريقة تعاطي الدولة الموريتانية مع حقوق المستثمرين؟.
عاشراً: ما خرج علينا وسُمّي عبثاً ’بالثورة’ لم تكن مواكبته والتعاطي معه إلاّ ضربا من ضروب قِصَر ذاتِ اليدِ من جانب الحكومة. حتى ’تندّر’ البعض بأن المواطن بلغ من السذاجة إن هو اقتنع بضرورة وحتمية التظاهر بأنّ يثنيه توزيع بعض السمك وذرّ بعض العبارات الطنّانة التي تفتقر حتى إلى الإقناع في آذان الأطفال سيثنيه عن ذلك التظاهر الذي كفلته دساتير الحياة ومواثيق البشر الموضوعة.. هل طمأنوك سيدي الرئيس؟ هل قالوا لك أن الأمر لا يعدوا صرير فئران وعبث أطفال و جنون بقر؟ كذبوا عليك إن هم أسروا لك بذلك.. غيّبوك سيّدي إن هم زوّروا حقيقة المشهد.. أجمع من عارضَك ومن أيّدك.. أنهم ’آل ثقتك’ هم رأس الداء وأنّ اجتثاثهم.. واجتثاثهم فقط هو أول جرعة من الدواء.
لنكن واقعيين، هذا ليس تجريحا في شخص.. أو هتكا لعرض.. أو قذفاً بلا بيّنة.. الأعراض مصونة والأشخاص مكفوف عنها.. هذا رأي.. وصرخة حقوق مسلوبة.. لكن وبكل موضوعية.. الفشل.. ثم الضعف.. والعجز.. كلّ ذلك تسبّب في ما آلت إليه الأمور.. إذاً.. ما ذا بعدُ عساكَ سيدي الرئيس تنتظر؟ إلى متي؟.. أما آن الوقت لطيّ هذه الصفحة القاتمة والغير مشرّفة والاتجاه وبشكلٍ عاجل ومدروس إلى تكليف من هي أكثر جدّية وخوفا على الصّالح العام؟ نقدّر لكِ أيتها الحكومة عاليا كل مالم تقومي به من أجل لنا.. لكن.. آن الرحيل

رؤساء أحزاب المعارضة ... والرعب من الديمقراطية


عندما يضع الأصلع على رأسه شعرا مستعارا فإنه يبقى أصلعا في نظر من يعرفونه ... وعندما يقف الانتهازيون السياسيون من أمثال المصطفى ولد بدر الدين، وولد مولود، والداه ولد عبد الجليل، وإلى آخره، في ساحة "بلوكات" بين جماعات من الشباب ينادون بالإصلاح وبسقوط النظام فإنهم يبقون انتهازيين في عيون من يعرفونهم.
إن هؤلاء الانتهازيين السياسيين هم أصل كل بلاء علينا ابتداء بأزمة الثقة التي خلقوا بيننا بالتشكيك في وطنية كل واحد منا حتى أضحت إضافة صفة وطني على أي موريتاني مدعاة للسخرية والضحك إلا إذا كانوا هم يساندونه ويناصرونه وعندما يكونون كذلك يضعون عيونا مجهريه يرون بها حركة يده عندما يربت بها عل كتف شخص بأدب إنجازا وطنيا سيؤمن الأمن القومي الغذائي للبلد مائة سنة على الأقل.. وعندما يقول إن الدولة مفلسة ويتهيأ لبيع ممتلكاتها(سنيم) يعتبرون ذلك واقعية وتهيؤا لتصرف حكيم.. أما عندما يقفون موقف المعارض منه كما هو حالهم مع رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز فإنهم يصابون بالعمى عن انجازاته ليصبح تشييد الشوارع المرصوفة بالحجارة والإسفلت كثبانا ورمالا ينصحون الناس بعدم تجاوزها إلا على السيارات رباعية الدفع، وعندما يشتري من ميزانية الدولة الأجهزة اللازمة الإجراء الفحوصات الطبية يقولون لقد حول المستشفى الوطني إلى مصحة تقليدية... وعندما يشدد على احترام حرية الرأي وحرية الصحافة يقولون إن السجن المدني يغص بسجناء الرأي في إشارة لمرتكب جريمة من جرائم الحق العام هو المدعو "برام"؛ والأدهى والأمر أنهم هم السبب في فقدان الموريتانيين للأمل في وقوع أي تغيير وعندما انبرى من أبناء هذا الوطن من باشر عمليا عملية التغيير وكان من أهم ما أنجزه هو عدم الاكتراث بما يروج له الانتهازيون والابتعاد عنهم عند مباشرته، هاهم يتجمهرون مع أبنائهم وبناتهم وبنات الأخ وبنات الأخت والخال والخالة والعم والعمة في ساحة "بلوكات" حاملين سلة نوايا قديمة حديثة يعتقدونها كفيلة بتغيير التغيير إلى ما يضمن مصالحهم وامتيازاتهم التي يظنونها دهرية.
ولولا أن 99% من الشباب الموريتاني يعي ما يملكه هؤلاء الانتهازيون من خبرات عالية في تفتيت جهود البناء والوقوف ضد كل إرادة تسعى إليه بترسيخ حالة الانقسام وبسط لهيبه على كل شيء ووعيه كذلك باعوجاج منطقهم في المقارنة بين مسوغات الثورات الشعبية في كل من الشقيقتين تونس ومصر الذي يؤدي إتباعه إلى أنهم سيطالبون بــ :
1. إطلاق سجناء الرأي، فهل عندنا سجين رأي واحد ؟
2. تعديل الدستور بما يمنع أكثر من مأموريتين على رئيس الجمهورية، فهل دستورنا يسمح بأكثر من ذلك ؟
3. رفع حالة الطوارئ، فهل عندنا حالة طوارئ ؟
4. انتخاب رئيس للجمهورية من بين عدة مرشحين، فهل رئيسنا ترشح وحده ولم ينافسه أحد ؟
5. إسقاط الطبقة السياسية القديمة المهترئة وهذه نشترك معهم فيها وحدها ، فهل ستقبل السقوط لوحدها ؟
لكان وطننا اليوم يعيش تحت رحمة الوجوه التي يثير ظهورها في وسائل الإعلام استفزاز مشاعر الشعب وغضبه لارتباطها في أذهانه بمراحل البؤس والحرمان والديكتاتورية المباشرة والديمقراطية المقنعة التي بيعت فيها مؤسسات الدولة بثمن بخس (بيعت شركة "سمار" ب:5.000.000 أوقية) ولم يتظاهر ولم يعتصم أي واحد منهما مثل ما فعل عند بيع "بلوكات" بمليارات الأوقية وبشروط محددة وفي مزاد علني.
ولا يخفي على هذا الشباب ما يروج له بعض أشباه المثقفين الذين يتشدقون بأن كل من مر بالخدمة العسكرية لا يمكن أن يكون رئيسا مدنيا بعد استقالته منها ولا يشفع لهم في ذلك إلا علم الجميع بضحالة ثقافتهم في تاريخ المؤسسات الديمقراطية والديمقراطية عموما بحيث لم يطلعوا يوما أن من كرس الديمقراطية السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية كان الجنرال "جورج واشنطون" وأن الفرنسيين يعتبرون عصرهم الذهبي بدأ مع "الجنرال ديكول" ثم الديكولين الذين يعتزون اليوم بتبني حزبهم لأفكاره وانجازاته... لكن لا غرو فمن كان يمتدح بالأمس القريب ديمقراطية "الملا ت" في أفغانستان من أمثال:"محمد المختار الشنقيطي" أن يجهل أن الفكر الديمقراطي ومنطقه لا يرتبط بمهنة معينة ولذلك لم يرفض الشعب الأمريكي انتخاب ضابط في الطيران هو"w بوش الابن لمجرد أنه ضابط.
كما لا يخفى على الشباب أن الأحزاب السياسية المعارضة التي لم تستطع تجديد نفسها وتتسمى اليوم بأسماء رؤسائها وكأنهم عمالقة يعيشون بين مجموعة من الأقزام لا يقبل المنطق الديمقراطي السليم أن يقبل منهم الشعب المطالبة بالتغيير، ومن باب أولى أن يرافقهم في ما يسعون إليه من الإطاحة برئيس منتخب من لدن هذا الشعب بناء على برنامج حقق منه في ظرف وجيز ما عجزت عنه الأنظمة السابقة على مدى خمسين سنة لفت أنظار الممولين العرب الذين صرحوا في جميع وسائل الإعلام أنهم لأول مرة يقضون زمنا عن موريتانيا وبعد عودتهم يلاحظون تغيرا في البنى التحتية؛ خصوصا أن هذا الشباب يعرف تمام المعرفة دوافع رؤساء المعارضة إلى ما يسعون إليه والمتمثل في شيئين عند البعض هو ما يمكن تسميته بالسباق المحموم مع الزمن الدستوري الذي ضرب سنا محددة لا يمكن لأي شخص الترشح لرئاسة الجمهورية بعدها وفي سبيل ذلك يجب عمل أي شيء حتى ولو كان يؤدي للفوضى وعدم الاستقرار إذ الوقت ليس في صالح هذا البعض وهو تحديدا السيد أحمد ولد داداه، أما البعض الآخر من المنوه عنهم أعلاه ومن على شاكلتهم من أمثال أعل ولد محمد فال وعبد القدوس ولد أعبيدنا ومحفوظ ولد بتاح فإن الشباب يمكن أن يطلب منهم كل شيء إلا الإصلاح ومشتقاته.

امتحان "ابلوكات"!! حبيب الله ولد أحمد


عندما كنا صغارا- أيام الابتدائية والإعدادية- كانت الامتحانات والمسابقات الوطنية بالنسبة لنا وللأهالي مناسبات عصيبة ومهيبة، واستثنائية بكل المقاييس..ففي أيام إجراء مسابقة دخول السنة الأولى من الإعدادية وشهادة ختم الدروس الابتدائية "كونكور"- مثلا- تصبح مراكز الامتحان قبلة للناس ومحطا لاهتمامهم، لدرجة ينسون فيها بقية مشاغل حياتهم اليومية، فلا صوت بالنسبة لهم يومئذ يعلو فوق صوت معركة أبنائهم الفاصلة والفارقة.. تتحول ساحات المدارس- طيلة فترة الامتحان- إلى ساحة تضج بالحياة، فالأهالي يتجمعون في الطرقات والنواصي والأزقة المؤدية إلى مراكز الامتحان التي يمنع رجال الأمن- غالبا- الناس من دخولها، وإن سمحوا لهم بالتجمهر قريبا منها..ولكل امرئ من الأهالي يومئذ شأن يغنيه..فالبعض يأتي للاطمئنان على أطفاله، ومتابعة أمورهم عن قرب، فمعظم الأطفال يذهبون إلى قاعات الامتحان في ساعات باكرة من غبش الفجر، وبعضهم يذهب بعيد صلاة الفجر، وآخرون يبيتون قريبا من مركز الامتحان، إن لم يتمكنوا من المبيت بداخله وهكذا..ولا يلقى الأطفال بالا يومها لتناول الفطور أو حتى التحمم قبل دخول قاعات الامتحان..ولذلك يكون على الأهالي المسارعة إلى مراكز الامتحان لاستقبال أطفالهم الخارجين للتو من أولى مواد الامتحان باللبن والتمر والخبز والحلوى والأحضان..وليس غريبا- والحالة هذه- أن تتحول جنبات مراكز الامتحان إلى مطاعم فاخرة تعبق بروائح الشواء والخبز المحمر والسمك المقلي والفول المجمر و الأجبان المحشوة خاصة بالنسبة لأبناء الطبقتين الغنية والمتوسطة، أما أطفال الأحياء البائسة والطبقة الفقيرة فيرضون من الغنيمة بشم تلك الروائح والتلذذ برؤية ما لذ وطاب من تلك المأكولات عن بعد..فذووهم لا يوفرون لهم سوى دعاء صادق في جوف الليل بأن يوفقهم الله في الامتحان، وصباحا يرسمون على وجوههم عبارات قرآنية ومحفوظات دينية تمنحهم سكينة خاصة لتثبيت الأنفس والعقول والبطون..ويلقنونهم آيات النصر و التسخير و الفهم ورفع الدرجات!! ومع الاطمئنان على الأطفال، ومتابعة أدائهم في الامتحان، فإن بعض الأهالي يأتي لمساعدة ودعم أطفاله بأية طريقة متاحة، كالحصول- استباقيا- على مواضيع الامتحان - شراء أو غصبا- ثم حل معضلها والإجابة عن أسئلتها، وتهريب كل ذلك إلى داخل قاعات الامتحان التي لا وجود فيها لحرس شديد وشهب، ومن اخترق السمع فيها لن يجد أمامه شهابا رصدا..وتتطلب عملية الدعم والإسناد تلك – عادة- التعرف على خرائط القاعات وأسماء المراقبين ومعلوماتهم الشخصية قبليا و جهويا إلى غير ذلك من المعلومات الضرورية لتأمين مساعدة الأطفال على تجاوز الامتحان الذي هو علامة فارقة- دراسيا - بالنسبة للمشاركين فيه، خاصة وأنه معبر طالما فشل العديدون في تجاوزه، لأسباب عديدة من أهمها ضعف المستويات، وضبابية التنظيم التربوي، وهلامية المناهج الدراسية، والعزوف الطوعي لبعض الأطفال عن الاهتمام الحقيقي بالدراسة وما يقود إليها من قول أو عمل!! أتذكر أن إحدى الأسر حاولت مساعدة أحد أبنائها - كان معي في قاعة امتحان واحدة- عندما أخذت قطعة خبز كبيرة ووضعت بداخلها بدل الزبدة المعهودة ورقة إجابة ملفوفة بعناية على طريقة "كتاب حاطب ابن أبى بلتعة" المعروف غير أن مراقبا ذكيا لاحظ ثقل قطعة الخبز رغم صغرها، فدفعه الفضول لفتحها لتسقط ورقة الإجابة من داخلها وسط ذهول بقية المراقبين وأطفال القاعة!! قفزت هذه المشاهد والذكريات إلى خيالي وأنا أزور ساحة "ابلوكات" مع مجموعة من الصحفيين ذات وقفة احتجاجية حاشدة. كان الأمر شبيها تماما بمراكز الامتحان التي تحدثت عنها..ف"الأطفال" كانوا في القاعة و"الأهالي" كانوا على حوافها وفى النواصي والأزقة والطرقات المؤدية إليها.. إنه امتحان حقيقي، فلأول مرة يدخل "شباب" موريتاني قاعات امتحان "ثوري" عصيب يشبه بقية الامتحانات عندنا، فالضبابية موجودة، مع غياب المناهج، وضعف في المستويات، وهلامية في المشهد العام..هو أيضا امتحان للحكومة والأمن ..امتحان للبلاد كلها ومستقبل تعايش شعبها وبقائها ككيان وطني متماسك..وامتحان بطبيعة الحال للنخبة السياسية المرتبكة بحسابات التيارات الإيديولوجية المعارضة منها والموالية وحتى البرزخية. ربما لم توزع المواضيع حتى الآن، وربما أن بعضها تحت الطبع- أو فوقه- مع وجود بلبلة في توزيع المشاركين على مقاعدهم ومواقعهم داخل القاعة، وغياب آلية رقابية تهتم بضبط الأمور داخل القاعة، وبدون شك فإن "الأهالي"- وكما في كل الامتحانات والمسابقات الوطنية- تجمهروا بسرعة على هوامش القاعة..وبنفس طريقة تجمهر أهالي الأطفال المعنيين بالامتحانات الأخرى..سيارات تحمل طعاما وعصيرا وتقدمه لمن يهمها فقط داخل القاعة..أشخاص يوزعون أقمصة وأعلاما وشعارات على من يهمهم أمره في الساحة..آخرون يوزعون بيانات ومقالات ومكبرات صوت على" أطفالهم" في الساحة وهكذا..والبعض من"الأهالي" فضل مراقبة أطفاله بواسطة "كاميرات مراقبة" تم تركيبها على بنايات مرتفعة مطلة على الساحة لمراقبة "الأنفاس" و"الأكباش" والهمسات والنوايا والتحركات حتى يتأكد "الأهالي" من أن "أطفالهم" باقون داخل قاعة الامتحان وغير قادرين على الخروج منها"يقال إنها كاميرات مزودة ببطاقات ذكية تملك قدرة هائلة وخارقة على التمييز بين الأشخاص الملثمين والأشخاص الذي يسيرون بوجوههم رافعين رؤوسهم داخل الساحة أو خارجها"! بعض "الأهالي" أيضا يتجمهر لمراقبة "الأطفال" من حيث العدد ومستوى الشغب، والقدرة على التعاطي مع الامتحان.. كل "الأهالي" هنا بعضهم معروف وواضح القسمات، وآخرون بأقنعة ورؤوس معممة..لكل مهمة خاصة ومحددة..ساحة "ابلوكات" سلك فيها من كل زوجين اثنين..شباب وطنيون طيبون، أشخاص مظلومون، فئات مهمشة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، سياسيون و"عسس"،صحافة و"بلطجية " كتائب ومرتزقة ،باعة ولصوص وصعاليك،رجال أمن وسيدات وفتيات وسلام وكلام وموعد ولقاء!! كلهم يتحلقون من حول "أطفال" يدخلون امتحانا يراه البعض مغامرة ولعبا بالنار، ويحسبه غيرهم بذرة تغيير توشك أن تنبت شيئا كالذي حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن.. الامتحان دخل أسبوعه الثاني و"الأهالي" أكثر حماسا وخجلا وارتباكا من الممتحنين" بفتح التاء"، لا أحد- حتى الآن- يعرف توقيت توزيع مواد الامتحان، ولا قدرة الناس داخل القاعة وخارجها على التحكم فيه..والمنتظرون لنتائجه- حتى قبل أن يبدأ- أكثر من المنتظرين لتوزيع مواده والمقبلين على خوض غماره.. انه امتحان صعب، فعلى نتائجه تتوقف معرفة مصير بلد بأكمله..ويوم صدور نتائجه قد تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن "امتحان ابلوكات" شديد!!

٢٠١١/٠٣/٠٤

رأي حر و صريح

محمد عبد الله ولد لحبيب
من كان يظن أن موريتانيا لن تتأثر بالثورة في العالم العربي فهو راسب في مادة الجغرافيا، ومن حسب أن زمن الثورة لم يحن بعد في موريتانيا فهو راسب في مادة التاريخ، ومن تخيل أن أعداد المتظاهرين الشباب لن تتضاعف فهو راسب في مادة الحساب، ومن اعتقد أن عدوى إسقاط الأنظمة الفاسدة لن تغزو الجسم الموريتاني فهو راسب في مادة العلوم الطبيعية، ومن أفتى بعدم وجوب إسقاط النظام الموريتاني فهو راسب في مادة التشريع، ومن لم يشبه موريتانيا بتونس فهو ساقط في مادة البلاغة، ومن رأى أن الشعب الموريتاني لن يثور فهو ساقط في مادة علم الاجتماع، ومن لم يتوقع سقوط النظام بالثورة فهو ساقط في مادة الفلسفة، ومن شك في فساد السلطة القائمة، أو في سقوطها بسبب الفساد فهو ساقط في مادة الاقتصاد، ومن حلم باستمرار الأوضاع على هذا النحو فهو ساقط في مادة الخيال الشعري، ومن لم يقل للنظام كفى فهو ساقط في مادة التعبير، ومن لم يكتب عن فساد النظام فهو ساقط في مادة الإنشاء، ومن بدا له أن تغييب الحقائق ممكن فهو ساقط في مادة الإعلام....................... برأيكم من هو التلميذ الراسب في كل هذه المواد والذي يستحق الطرد... إنه من دون شك ولد (....) يسمى عزيز

٢٠١١/٠٣/٠٢

لا يحق للرئيس تعطيل القانون


ذكرت مصادر إعلامية متطابقة أن رئيس الجمهورية –خلال لقاء جمعه بتجار السيارات المستعملة- تعهد بوقف العمل بالقانون الذي يحظر استيراد السيارات المستعملة لأكثر من 8 سنوات، وأن إدارة الجمارك اتصلت اليوم بهؤلاء التجار لتخبرهم بأنه يمكنهم من الآن فصاعدا استيراد السيارات من دون الاكتراث لعدد سنوات خدمتها.
وبغض النظر عن ما إذا كان الرئيس قد تعهد للتجار فعلا بأنه سيجمد العمل بالقانون المثير لاستيائهم، وما إذا كانت إدارة الجمارك قد أذنت لهم باستيراد ما يشاؤون من سيارات، فإن تناول مثل هذا الموضوع بهذه الطريقة في دولة القانون يعتبر أمرا مثيرا للاستغراب على الأقل بالنسبة للأوساط القانونية. فكيف يمكن الحديث عن تعطيل قوانين الجمهورية بكل هذه البساطة؟ وهل يحق للرئيس أن يتدخل في عمل السلطة التشريعية لوقف العمل بقانون صادقت عليه؟
إن الأمر يتعلق بقانون المالية الصادر سنة 2010 والذي تضمن تغيير مقتضيات المادة 3 ف(2) من القانون الجمركي رقم: 145ـ 66 الصادر بتاريخ 26 / 07 /1966، فحرم استيراد السيارات المستعملة لأكثر من 8 سنوات وذلك بدءا من 1 يناير 2010.
وحيث أن القانون بعد اقتراحه ومناقشته و إقراره وإصداره و نشره، يصير معبرا عن إرادة الأمة فليس لأي كان –ولو كان رئيس الجمهورية- القفز علي مقتضياته تغييرا أو تعطيلا أو تجميدا، لأنه أصبح تعبيرا عن إرادة الأمة وملزما للجميع ولا يعذر أي كان بجهله ولو كان مديرا للجمارك.
وفي هذا الاطار يجدر التذكير بأن القاعدة الدستورية هي أن السلطات الثلاث (التنفيذية، التشريعية، القضائية ) لا يوقف بعضها بعضا ومن ثم فليس لرئيس الجمهورية التدخل في عمل السلطتين التشريعية والقضائية أثناء أو بعد عمليهما

موريتانيا الجديدة ..وتحدي ثورة "الفيسبوك"


سيدي ولد سيد احمد
أولئك السابقون في مصر وتونس وليبيا قضوا أعمارا مديدة في الحكم والتسلط على مصائر وخيرات شعوبهم وأوطانهم، جعلت منهم حكاما إلى الأبد، يسعون للتمديد والتوريث، ويجعلون من الحزب الحاكم واللجان الثورية وجمع المال والولاءات الفردية والجماعية وإقصاء الخصوم مجرد أدوات لإطالة بقائهم في السلطة. أولئك الذاهبون لم تغن عنهم شعارات التنمية والتنوير والاعتدال وسلطة الجماهير، فقذفتهم أمواج طوفان الثورة العربية خارج الحكم وأصبحوا يبكون على ملك ضيعوه، لأنهم لم يعرفوا كيف يحافظون عليه في زمن وعي ونهضة الشعوب لاسترداد المبادرة واستعادة كرامتها وحريتها وخيراتها ، التي طالما استحوذت عليها الأنظمة وسخرتها،بكل الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة، للتحكم في مصير الوطن والعباد.
الأنظمة العربية لم تستفق بعد من هول الصدمة، فكل محاولات النجاة بقواربها من الغرق في موج طوفان الثورة والتغيير، بقيت حتى الآن خجولة ودون المستوى المطلوب، في ظل أنظمة عششت فيها كل تجليات الفساد والمحسوبية والانتهازية، فوجهت أموال الشعب وممتلكاته لمصالح قلة من الأقارب والمقربين، باعتبار أن المال هو عصب السياسة وأن تركه في أيادي غير مأمونة قد يؤدي إلى نتائج غير محسوبة.
معتقدات ميزت أغلب طبائع معظم الأنظمة الحاكمة من المحيط إلى الخليج، في ظل تغييب كامل لإرادة ساكنتها عن المشاركة الحقيقية والفاعلة في صناعة القرار السياسي. ثروات استولى عليها حكام وذويهم، خلال عقود عجاف و في غفلة من شعوبهم، تكفي لتسديد جميع مديونيات بلدانهم وسد أفواه الجياع ومعالجة المرضى وتعليم أجيال فيها.
إن تباطؤ الأنظمة العربية في فهم ما يجري في المنطقة من تحولات كبرى، ستؤسس لمرحلة جديدة في علاقة الحكام العرب مع شعوبهم ولوضع مغاير لعلاقة الغرب مع دول المنطقة، يعود لتراث طويل من التعامل مع هذه الشعوب بكثير من التغييب والاستخفاف والإهمال، لكن تسارع الأحداث وإطاحتها بأنظمة دول مركزية في العالم العربي وفي منطقة جغرافية متصلة وامتدادها للعديد من دول الدول العربية الأخرى، يجعل منها "فوبيا التغيير" ، أصبحت تطارد أنظمة الاستبداد والإقصاء من الخليج إلى المحيط.
كل الأنظمة العربية المتبقية مطالبة اليوم باعتماد إصلاحات جدية في مواجهة مد الثورة والغضب الشعبي، أولها هو السماح بالمشاركة السياسية وتحقيق تنمية شاملة وثانيها هو التوقف نهائيا عن المزاوجة بين السلطة والمال، من خلال استغلال المواقع السياسية المتقدمة للاستحواذ على ثروات الشعوب واستغلالها للتحكم فيها.
في الوقت الذي تخلفت فيه كثير من الأنظمة العربية عن فهم شعوبها، حاول الغرب وبقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أن يواكب سفينة التغيير وأن لا يتخلف عن الركب، لأن عالما عربيا يولد من جديد ومشاهد وأنظمة تتشكل على انقاض الأنظمة المتهالكة بفعل غياب الرؤية الإستراتيجية وعدم إدراك لحقيقة الأرض التي تقف عليها.
لقد تغير العالم وتغيرت معه أدوات الحكم وديمومة الأنظمة نتيجة ثورة المعلومات والتكنولوجيا والانترنت، التي أسهمت في بروز قوى جديدة في الصين والهند وشاركت في فك العزلة والحصار عن المعلومة والخبر، ومكنت جميع شعوب العالم من النفاذ لعالم المعرفة والاطلاع دون وصاية أو وساطة. فقد قلصت ثورة المعلومات سيادة الدول في مجال احتكار حركة الأموال وتداول المعلومات داخلها، قبل أن تضئ بكاشفاتها معاقل القمع وترويض المعارضين، والتي طالما استخدمتها لسحق كل الأصوات المطالبة بالتغيير وبحياة أفضل.
لقد أصبح من السهل على كل الإفراد والجماعات انتاج وتحميل كل المستور من ممارسات أجهزة القمع وتداولها بواسطة وسائط الانترنت، قبل نقلها عبر آلاف القنوات الفضائية المتناثرة عبر دول العالم.
فالرسائل الالكترونية والنصية ساهمت في تسهيل عملية التواصل مع العالم بالإضافة للمواقع الاجتماعية وعلى رأسها "فيسبوك" و"تويتر"، التي تتميز بسرعة الحصول على أصدقاء وإنشاء مجموعات تتقاسم المعلومات المكتوبة والمصورة، وقد تجاوز عدد زبناء "فيسبوك" لوحده، خلال الربع الأخير من عام 2010، من 400 مليون إلى 600 مليون منتسب، وهو رقم قياسي في ظرف قصير بالمقارنة مع المواقع الأخرى، وهذا ما جعله محط أنظار واهتمام الكثيرين من رواد الشبكة العنكبوتية (الانترنت).
وقد وعت النخب في كل من تونس ومصر وليبيا أهمية هذه المواقع الاجتماعية، جاعلة منها مساحة افتراضية لتبادل الآراء وخلق أرضية مشتركة لإحداث التغيير المنشود في مجتمعاتهم.
وانتقلت عدوى ثورة "الفيسبوك" بما نوفره من إمكانية للتنسيق إلى المجتمعات العربية الأخرى ومن بينها موريتانيا، حيث يحاول بعض الشباب فيها إسقاط تجارب تلك الشعوب على واقعهم، سعيا منهم لتطوير النظام السياسي القائم وإجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة بالتناغم مع ما يجري في المنطقة العربية من تحولات جذرية، تتطلب من الأنظمة الحاكمة قراءة جادة لما يدور حولها والتجاوب مع تلك المطالب المشروعة في مجالات الحرية والعدالة والمساواة والتنمية.
صحيح أن موريتانيا الجديدة عمرها قصير لا يتجاوز بضع سنين، قضت نصفها في مواجهة انتفاضة الديمقراطية والبحث عن الشرعية والنصف الآخر في كسب تعاطف وود المجموعة الدولية من خلال الانضمام لنادي محاربة القاعدة وحراسة الحدود الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط من زحف المهاجرين من دول غرب إفريقيا باتجاه القارة العجوز، الذين يأملون في الحصول على فرص عمل جديدة، بعدما ضاقت عليهم بلادهم ذرعا وحرمتهم من متعة لقمة عيش كريم في أوطانهم.
ويشعر الكثيرون أن شعارات الإصلاح والانحياز للفقراء، لم تستطع الصمود طويلا ، فسرعان ما تلاشت أمام تحديات الواقع وضرورات التمسك بالسلطة، وما يستدعيه ذلك من عودة لاستخدام نفس الأدوات المترهلة والمتمثلة في الحزب الحاكم والقبيلة ولوبيات المال والسياسة المتنفذة والمسيطرة على كل مفاصل ومنافع السلطة، بالإضافة لفساد الإدارة وعجزها عن القيام بمهامها وغياب أية معايير موضوعية للنفاذ للوظائف.
تمتلك موريتانيا كل مؤسسات الدولة الديمقراطية، لكنها ظلت شكلا بدون مضمون، يسمح باحترام الدستور والقانون والفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، ويفضي إلى تناوب سلمي على السلطة وتقسيم شفاف وعادل للثروة الوطنية.
إصلاحات ما زالت ممكنة في ظل وعي تام بما تمليه متطلبات هذه المرحلة الدقيقة من تسلح بإرادة التغيير وتجاوز مجرد الشعارات وتوظيفها السياسي إلى عمل وطني يشكل قطيعة مع سلبيات الماضي ويؤسس لمرحلة مختلفة تماما، أساسها احترام مؤسسات الدولة و حقوق المواطنة.

لحظة المفاصلة مع الحكم العسكري في موريتانيا

محمد المختار الشنقيطي

لم تعش الدول العربية جدبا سياسيا وثقافيا مثلما عاشته مع سيطرة العسكريين على الحكم. ولم تكن موريتانيا بعيدة عن هذا المسار الذي عمَّ أغلب دول العالم الثالث. فبعد فراغ طويل لم تعرف فيه بلادنا مؤسسة الدولة منذ عهد المرابطين، ولدت الدولة الموريتانية. وحكم الرئيس المدني المختار ولد داداه حوالي عقدين من الزمان. ولم يكن المختار رجلا ديمقراطيا، ولا كانت الديمقراطية قد أخذت مجراها في ثقافة الشعوب في أيامه، لكنه كان رجلا متعلما، لين العريكة، نظيف اليد، حريصا على وضع الأسس للدولة الموريتانية. ثم بدأ الحكم العسكري عام 1978، فأدخل بلادنا مرحلة قاتمة من تاريخها السياسي لم تخرج منها حتى اليوم. وكانت ثمرات الحكم العسكري مريرة للغاية. ومنها:
o هدم مؤسسات الدولة وتحويلها ريعا شخصيا وقبَليا يتحكم فيه الأقل كفاءة، والأفقر ضميرا، والأكثر أنانية.
o
تمزيق اللحمة الوطنية، مما وضع البلاد على شفا حرب أهلية أكثر من مرة، كما شاهدناه في أحداث عام 1989 الدموية.
o
إهمال المشكلات الهيكلية التي تنخر المجتمع، مثل مشكلة الاسترقاق وآثار الاسترقاق، والتعدي على الحقوقيين المدافعين عن حقوق الأرقاء السابقين.
o
تدني مستوى التعليم بما يهدم مستقبل الأجيال الجديدة من الشعب، وفوضويته التي جعلت العلاقة بين التعليم والتنمية الاجتماعية منبتة.
o
الانتهاك الواضح الفاضح لحقوق الإنسان من تعذيب وتشريد ونفي وتشهير، حتى لم تعد للأحرار من مواطنينا ومثقفينا كرامة.
o
إفقار للموظفين والمتعلمين الذين كانوا يوما من الأيام نواة طبقة متوسطة مزدهرة، فتحلوا إلى معدمين وأسرى وظائف لا تغني من جوع.

والمثير للأسى حقا أننا أضعنا فرصة ذهبية عام 2005 للخروج من هذا النفق المظلم لم تتح للدول العربية الأخرى في الأعوام الأخيرة. وكان من الممكن أن تكون موريتانيا في طليعة الدول العربية ذات الأنظمة الديمقراطية اليوم، لو لم ينقلب محمد ولد عبد العزيز على الرئيس المدني المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله يوم 6 أغسطس 2008. ولو أننا حافظنا على ذلك البرق الديمقراطي الذي لاح فجأة واختفى فجأة لجنبنا ذلك آلام المخاض الدموي الذي تعيشه دول عربية عديدة اليوم، ولجعل بلادنا اليوم مثالا يُحتذي، لا بلدا في مؤخرة القافلة. لكن شهوة السلطة لدى بعض القادة العسكريين منعت ذلك التحول السلمي من أن يأخذ مداه، وأرجعتنا إلى مرحلة الجمود في تطورنا السياسي. وكلنا نتحمل المسؤولية في وأد تلك الديمقراطية الوليدة، حرصا على غايات قصيرة النظر، أو تصفية لحسابات أنانية، أو عجزا عن

قراءة فجر الحرية المطل على المنطقة.
ويعتقد الحاكم العسكري الموريتاني اليوم أنه سيكون بمنأى عن سيل الثورة العربية الجارف، بإجراءات شكلية، وإصلاحيات جزئية، مشكوك في دوافعها، ومطعون في إنصافها. وذلك وهمٌ كبير سبقه إليه مستبدون كثر من قبل، في دول أرسخ من دولتنا نظاما، وأقوى بنيانا. والحقيقة أن الصراع بين الحاكم والمحكوم في الدول العربية اليوم – ومنها موريتانيا- لو يعد صراعا حول أداء السلطة، وإنما هو صراع حول بناء السلطة، بعد أن أدركت شعوبنا ما كان ينبغي أن تدركه منذ أمد بعيد، وهو أن البناء الاستبدادي لن يقود إلى نهضة في الداخل ولا إلى عزة في الخارج.

لقد رأينا في الأسابيع الأخيرة كل أنواع الترقيع التي يتقدم بها الحكام في أرجاء الوطن العربي، وقد ارتعدت فرائصهم، بعد سقوط رؤوس من أعتى عُتاتهم. وتفتقت قرائح المستبدين المرتعبين من شعوبهم عن مبادرات لا حصر لها، تهدف إلى إقناع الشعوب بالفتات، وشراء الولاء منها برشوة من مالها. وعجبا لمن يقدم للناس رشوة من مالهم!! فهذا ملك يرشو شعبه بمليارات الدولارات ليشتري منه الصمت والخنوع، وذاك رئيس يعلن عن زيادة الخدمة الاجتماعية ودعم الأسر المعدمة، وهذا آخر يعد بالإصلاح الدستوري وإطلاق الحريات (باستثناء حرية التخلص من سلطانه طبعا)... بيد أن أي ترقيع في الأداء السياسي أو الإجراء القانوني لن يقنع الشعوب اليوم، بعد أن قررت رفع الحجر المفروض عليها تماما، وهدم البناء الاستبدادي من القواعد، تمهيدا للإمساك بحرية قرارها واختيارها.

لقد أصبح من مسلمات العلوم الاجتماعية اليوم أن الشرعية السياسية هي الطريق إلى الأداء الصالح، والبناء المتراكم، والاستقلال عن القوى الدولية الطامعة. والمراد بالشرعية السياسية هنا هو (التأمّر في الأمير) الذي ورد في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صحيح البخاري: (قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، والناس صالحون... فلما كان بعدُ قال لي ذو عمرو [أحد أعيان اليمن]: يا جرير إن بك عليَّ كرامة، وإني مُخبرك خبرا، إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمَّرتم في آخر، وإذا كانت بالسيف كنتم ملوكا تغضبون غضب الملوك، وترضون رضا الملوك).

وما تريده الشعوب اليوم هو أن تتأمَّر في أمرائها، بالتحكم في توليتهم ومحاسبتهم وعزلهم، واعتبارهم خدما لديها، لا آلهة عليها، وأن تطرد منطق السيف وقانون الغاب من مسألة تداول السلطة إلى الأبد. ولن يكون شعبنا استثناء من هذا المنبع التاريخي الجارف الذي تفجر في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج. فقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا، ولا مستقبل لنا سوى الالتحاق بحركة التحرر من العبودية السياسية.

فعلى الحكماء من أبناء شعبنا من سياسيين ومثقفين وإعلاميين ودعاة ووعاة وقادة مجتمع وشباب أن يتقدموا الواجهة، ويقودوا المسيرة إلى مفاصلة نهائية مع الحكم العسكري المتلبس بأثواب زور من الديمقراطية، ووضْع الأسس الصلبة لبناء ديمقراطي حق، يعيد الأمور إلى نصابها، ويمهِّد لإخراج شعبنا من حالة القهر والفقر والاستبداد والفساد التي صبر عليها كثيرا. فهذه مسؤولية الجميع اليوم، حتى الذين دعموا الحاكم العسكري الحالي، أو تغاضوا عنه من قبل.. فالرجوع إلى الحق أوْلى
من التمادي في الباطل.

ومن المخارج الممكنة في الحالة الموريتانية تخصيصا:
أولا: فتح حوار مع الحاكم العسكري الحالي، محمد ولد عبد العزيز، لإقناعه بالخروج السلمي من السلطة، من خلال الإعلان عن انتخابات رئاسية مبكرة، مع التزامه بعدم الترشح أو الترشيح لها.
ثانيا: اعتبار حكم الحاكم العسكري الحالي فترة فراغ دستوري وانقلاب على السلطة المنتخبة، والعمل على استكمال الرئيس المدني السابق لمدة ولايته، وقيادة الفترة الانتقالية، ثم إجراء انتخابات رئاسية بعد ذلك.
ثالثا: الدعوة إلى حكومة إنقاذ وطني مجمع عليها، تقودها أيد نظيفة لم تتلطخ بسوءات الفساد والاستبداد من قبل، ولا تحمل مطامح سياسية في المستقبل، لتقود البلاد إلى الديمقراطية خلال مرحلة انتقالية وجيزة.

وتوجد مخارج سياسية ودستورية أخرى كثيرة، يحتاج أهل الرأي والحكمة من أبناء شعبنا إلى التفكير فيها، والاتفاق عليها.
وفي كل الأحوال فإن التغيير سيتطلب إصلاحات دستورية وقانونية وإدارية عديدة، يمكن الحديث عنها في حينها، لكن الأمر العاجل الذي لا ينبغي أن يختلف عليه اثنان اليوم، هو التخلص من حكم عزيز العسكري، وبناء حكم مدني ديمقراطية يسع الجميع. فإن لم يتحمس قادة الأحزاب والنقابات لهذه المهمة التاريخية، فعلى الشباب والطلاب الموريتانيين أن يتحملوها، فهم قوة الأمل وحماة المستقبل.

إنها لحظة المفاصلة مع الحكم العسكري في موريتانيا، من خلال ثورة شعبية سلمية هادرة، تُرجع حق الشعب إليه، وتعيد الجيش إلى ثكناته، وتحيله إلى وضعه الطبيعي: جيشا وطنيا محترفا تحكمه قيم الشجاعة والتضحية والفداء، بعيدا عن الانحياز السياسي والفساد الاقتصادي، وتطهره من القادة الذين تحولوا خلال ثلاثة عقود إلى رجال أعمال متخمين بالمال الحرام، يمتطون ظهور الجنود المساكين والشعب البائس بغير حرية