٢٠١١/٠٦/١٠

ماذا بعد البحر إلا الهواء!


بقلم: عبد الله ولد محمد/خاص
ما بين "ميفرما" و"سِرّية" الصيد المعلنة أخيراً مع بلاد الصين حقبة من تاريخ هذه البلاد تدعو إلي التأمل... ما بين العُجْب بتأميم الأولى والعجَب من تمرير الثانية والكرب مما هو آت، تمر اللحظات التاريخية شريطا عبر مخيلة المواطن (م) وهو يتفرج على فن بيع الأصول الطبيعية لوطنه المُعْسِر بغير ما اكتسب، المُسَعّرِ بغير ما اكتنز، كلما تقاطع عرض المصالح الضيقة المحلية مع طلب المصالح المسعورة الأجنبية عند نقاط انعدام توازن سياسي واقتصادي متغيرة باستمرار.
ما بين أخذ الأمر باليد الوطنية في الأولى وترك اليد في الأمر للأجنبي في الأخيرة تمتد سارية السقوط الحر من منصة استشراف المستقبل نحو حوض التخفي من الحاضر.. لتستمر سفينة البلاد في تيهها تتمايل بها أهواء طواقم تتعاقب على دفتها تديرها عكس عقارب ساعة التقدم وتمضي بها بلا بوصلة إستراتيجية في أروقة بحر العولمة المتشعبة ومضايقه الوعرة.
من إِلانَةِ حديد الهيمنة الفرنسي تحت وطأة السيادة الوطنية ذات يوم سبعيني مشرق إلي تجميد سمك الرمق الوطني في حاوية العملاق الصيني ذات يوم الْفَينيٍّ غير صفو.. تلك أمة وهذه أمة.
مليء هو سجلنا الوطني في مجال تتبع الرخص الأجنبية للتنصل من الإجماع الوطني والوقوع في حمى شبهات سوء التخطيط الإستراتيجي. فمنذ أواخر السبعينات تحول هذا البحر الممتد حزامَ رزقٍ حول خاصرة بلادنا النحيفة منذ خطّها إزميل الجفاف إلي مضمار صيد وقفت حكوماتنا المتعاقبة علي شباك بيع صكوكه فيما سمي حينها بسياسات الرخص.. تعددت الجنسيات والبحر واحد.
كانت تلك الرؤية العميقة وفق متبنيها من بطانة الرعيل العسكري الأول في ذلك الوقت، العقيمة وفق نتائجها فيما بعد مثالا للنزعة الارتجالية في تصريف الشأن الاقتصادي الوطني. لم تفلح تلك السياسة إلا في ملء بطون الأجانب لحما طرياَ وملء جيوب السماسرة المحليين مالاً سهلاً، ليبقى السواد الأعظم من معتري هذه البلاد وقانعيها بلا مطعم.
كان من أبرز نتائج سياسة الصيد تلك بروز طبقة "الأغنياء الجدد" الذين شكلوا فيما بعد مقلع حجارة أسس النظام العسكري-المدني الهجين الذي لا يزال يعيد إنتاج ذاته حتى اليوم. تلك الطبقة التي شكل نموها حَتّاً لبشرة الدولة الإدارية الناشئة لتتحول إلي دولة-البورصة المدارة من طرف تحالف المال والنفوذ العسكري الذي وجد في محلول السياسة بيئة حياة مناسبة للنمو.
لقد تحول القطاع بفعل تلك السياسة وما تلاها إلي احتكار ذي مكونين شبه عام وخاص. أما شبه العمومي فشركة وحيدة لا يظمأ وارد حوضها من مسيرين، تعاقب عليها مدراء شتى من ضمنهم أشداء علي المال العام رحماء في تعاملهم مع الأجانب. وأما الخاص فمستغلون وطنيون منهمكون في إدارة حوانيتهم البحرية المتحركة. لذلك ظل القطاع إقطاعا اقتصاديا اختلط فيه الأجنبي بالمحلي ليبقى دور الدولة عبر وزارة الوصاية مقتصرا علي التفنن في صياغة استراتيجيات شديدة الطموح محكمة الصياغة مكلفة الدراسة أنيقة الإخراج نادرة التنفيذ، لتبقى الإدارات الفنية للصيد دلافين تابعة لقروش رأس المال البحري المهيمنة على حيزها الحيوي.
إن المتتبع لتقلب حال قطاع الصيد يدرك أنه قد تحول تدريجيا إلي ورقة مقاصة في ملف التعاون الدولي كثيراَ ما تم إساءة استخدامها من طرف الدولة. ذلك أن المتمعن في شروط اتفاقية الصيد الأوروبية يجد أن الأمر يتمثل في تمكين - وإن بشروط لكنها ميسرة - لأسطول الإتحاد في السواحل الوطنية، في مقابل استمرار بعض التمويلات الميسرة نسبيا. في ذات السياق، يدخل المارد الصيني الأصفر بشباكه إلي المياه الموريتانية ليغترف غرفته.
ولئن كان لصُفْرِ القارة الآسيوية أياد بيضاء في مجال التعاون الثنائي لا ينكرها إلا جاحد غير منصف، إلا أن دخولهم في هذا الوقت إلي المجال البحري الوطني من خلال اتفاقية ملزمة للحكومة مبهمة لدي الشعب مثيرة للجدل لدى الساسة، لأمر يدعو إلي القلق. ذلك أن سجلنا في التفاوض وإبرام اتفاقيات استغلال الموارد الطبيعية يأن بتراكمات الأخطاء التقديرية وقصر النظر بل وإهمال المصلحة الوطنية العليا أحيانا، وما اتفاقية "وودسايد" منا ببعيد وما يستشف من رخصة استغلال الذهب أعظم وأدهى وأمر. فمن المشروع إذاً التساؤل بل القلق والخوف من شِباك العملاق الصيني الضيقة ومن ثغرات الاتفاقية الواسعة. أما الحديث عن فرص العمل التي ستخلقها الاتفاقية فضرب من التدليس لكون الشريك الصيني يملك حق استجلاب ما يقارب الثلث من العمال المهاجرين! ونظرا للسمعة غير الجيدة في مجال منح الأجور لا يبدو أن نصيب العمال المحليين سيكون بالجيد لشح الطرف الصيني المتحكم في منح الرواتب والتعويضات. وإذا كان البعض قد تحدث عن تطوير البني التحتية للصيد كمكتسب مرجوٍ من تنفيذ الاتفاقية فأي جدوى لتلك المرافق بعد أن يكون البحر قد كسح قاعه ولم يبق به سوى الرمل والحشائش؟
أي مصلحة تلك التي تتوخى من مثل هذه الاتفاقية، والتي انبرى بعض "نواب الشعب" من الموالاة للدفاع عنها ومن ثم التصويت عليها في سوء فهم مستمر من طرفهم للموالاة السياسية التي لا ينبغي أن تقود إلي معارضة الشعب وعدم درء مفسدة جلية عنه. ألا يظن أولئك أنهم مسئولون عما هم فاعلون من عبث بأقوات الخلق وأرزاقه؟

ليست هناك تعليقات: